رفيق العجم

12

موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني

الروح وتجيء طبيعة الفرح . وكذلك نجد المتنعمين بالحمّامات إذا تنفسوا في هوائها واتّصلت حرارة الهواء في أرواحهم فتسخّنت لذلك ، حدث لهم فرح ، وربما انبعث الكثير منهم بالغناء الناشئ عن السرور . ولمّا كان ( أهل ) السودان ساكنين في الإقليم الحار واستولى الحر على أمزجتهم ، وفي أصل تكوينهم ، وكان في أرواحهم من الحرارة على نسبة أبدانهم وإقليمهم ، فتكون أرواحهم بالقياس إلى أرواح أهل الإقليم الرابع أشدّ حرّا فتكون أكثر تفشّيا ، فتكون أسرع فرحا وسرورا وأكثر انبساطا ، ويجيء الطيش على أثر هذه ؛ وكذلك يلحق بهم قليلا أهل البلاد البحريّة ، لمّا كان هواؤها متضاعف الحرارة بما ينعكس عليه من أضواء بسيط البحر وأشعته ، كانت حصتهم من توابع الحرارة في الفرح والخفّة موجودة أكثر من بلاد التلول والجبال الباردة . وقد نجد يسيرا من ذلك في أهل البلاد الجزيريّة من الإقليم الثالث لتوفر الحرارة فيها وفي هوائها ، لأنّها عريقة في الجنوب عن الأرياف والتلول . واعتبر ذلك أيضا بأهل مصر ، فإنّها في مثل عرض البلاد الجزيريّة أو قريبا منها ، كيف غلب الفرح عليهم والخفّة والغفلة عن العواقب ؛ حتى إنّهم لا يدخرون أقوات سنتهم ولا شهرهم ، وعامة مآكلهم من أسواقهم . ولمّا كانت فاس من بلاد المغرب بالعكس منها في التوغّل في التلول الباردة كيف ترى أهلها مطرقين إطراق الحزن وكيف أفرطوا في نظر العواقب ، حتى إنّ الرجل منهم ليدّخر قوت سنتين من حبوب الحنطة ، ويباكر الأسواق لشراء قوته ليومه مخافة أن يرزأ شيئا من مدخره . وتتبع ذلك في الأقاليم والبلدان تجد في الأخلاق أثرا من كيفيّات الهواء . ( مقد 1 ، 391 ، 12 ) إدراك - الإدراك وهو شعور المدرك في ذاته بما هو خارج عن ذاته هو خاص بالحيوان فقط من بين سائر الكائنات والموجودات . فالحيوانات تشعر بما هو خارج عن ذاتها ، بما ركّب اللّه فيها من الحواس الظاهرة : السمع والبصر والشم والذوق واللمس . ويزيد الإنسان من بينها أنه يدرك الخارج عن ذاته الفكر الذي وراء حسّه ، وذلك بقوى جعلت له في بطون دماغه ، ينتزع بها صور المحسوسات ، ويجول بذهنه فيها ، فيجرّد منها صورا أخرى . ( مقد 3 ، 1008 ، 6 ) - إن الإنسان بما هو إنسان إنما يتميّز عن سائر الحيوان بالإدراك . وإدراكه نوعان : إدراك للعلوم والمعارف من اليقين والظنّ والشكّ والوهم ؛ وإدراك للأحوال القائمة من الفرح والحزن والقبض والبسط والرضا والغضب والصبر والشكر وأمثال ذلك . فالمعنى العاقل والمتصرّف في البدن ينشأ من إدراكات وإرادات وأحوال ، وهي التي يميّز بها الإنسان . ( مقد 3 ، 1098 ، 3 ) - إنّ الأصل في الإدراك ، إنّما هو المحسوسات بالحواس الخمس ، وجميع